من مقاصد القرآن الكريم في العمل الإنساني (1)

أضيفت بواسطة    on  أغسطس 23, 2017

لقد خلق الله عز وجل الإنسان وجعله خليفة له في الأرض، بل وأمر الملائكة بالسجود له، وفي ذلك دلالة لجعل هذا المخلوق أحد أهم عناصر ومكونات الحياة على ظهر الأرض قال تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" ([1])، فالحقيقة الكبرى التي اختصهالله بها دون باقي مكونات الحياة على ظهر الأرض، هى عمارة الأرض والنُّهوض بها لمستوى لائق بإقامة مجتمع فاضل يسُوده الحب والمودة والسعي في تحقيق الحياة الكريمة له، وإقامة حضارة إنسانية راقية تتمثل في عمل إنساني.

مفهوم المقاصد

لغة: جمع مَقْصَد، من قصد الشيء، وقصد له، وقصد إليه قصدًا، من باب ضرب، بمعنى طلبه، وأتى إليه، واكتنزه، وأثبته ... والقصد: هو طلب الشيء، أو إثبات الشيء، أو الاكتناز في الشيء، أو العدل فيه ([2])

ومقاصد الشريعة في اصطلاح العلماء هي: الغايات والأهداف والنتائج والمعاني التي أتت بها الشريعة، وأثبتتها في الأحكام، وسعت إلى تحقيقها وإيجادها والوصول إليها في كل زمان ومكان([3]).

مقاصد العمل الخيري والإنساني: هو مقصد من المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، تهدف لمنفعة الإنسان أيَّاً كان لونه وجنسه وموطنه، يقول ابن سينا: " إن الخير هو ما يتشوقه كل شيء ويتم به وجوده" ([4]).

فحينما نقول العمل الإنساني فهو عمل خيري يقول علماء اللغة بأن كلمة" الخير تشير إلى كل ما فيه نفع وصلاح، أو ما كان أداة لتحقيق منفعة أو جلب مصلحة ([5]).

وعليه فإن الخيرية هي صفة لمن يشعر بآلام الآخرين، ويرغب في تحقيق سعادتهم، أو في دفع الأذى عنهم والتخفيف من معاناتهم.

يقول أبو هلال أيضاً: "إن الإنسان يجوز أن يفعل بنفسه الخير، كما يجوز أن ينفع نفسه بالخير، ولا يجوز أن ينعم عليها؛ فالخير والنفع من هذا الوجه متساويان ، والنفع هو إيجاب اللذة بفعلها ، أو السبب إليها ، ونقيضه الضر ، وهو إيجاب الألم بفعله أو التسبب فيه". ([6])

 

العمل الإنساني الخيري والمصلحة الضرورية

لقد شرع الإسلام الحنيف لكل مصلحة ضرورية للنَّاس أحكامًا تُنمى فكرهم ووجدانهم، وتسعى في إيجادها وتكوينها، وتحفظ لهم صيانتهم والوقوف بجانبهم فهي متكاملة ومتممة؛ لتأمين المصالح الحاجيِّة والتحسينية لكل مصلحة ضرورية، وذلك ليؤمن للنَّاس حفظ الضروريات، ويكفل بقاءها واستمرارها، ثم أباح الله تعالى المحظورات إذا تعرضت المصالح الضرورية للخطر والتهديد.

وتنحصر المصالح الضرورية للناس من وجهة نظر الإسلام في خمسة أشياء، وهي الدين، والنفس، والعقل، والنسل أو العرض أو النسب، والمال. ولقد جاءت الشريعة الغراء لحفظ هذه المصالح الضرورية، وذلك بتشريع الأحكام التي تحفظ الدين، وتحفظ النفس، وتحفظ العقل، وتحفظ النسل أو العرض أو النسب، وتحفظ المال ([7]) .

وقد جعل الشارع الحكيم للناس من الأحكام والحاجيات والتحسينات ما به يحفظ عليهم أعراضهم ودينهم، محافظاً بذلك على الذات الإنسانية، فشرع الكسب للرزق الحلال النافع، واهتم بالتوجيه والإرشاد لرعاية البدن ومراعاته ليكون طاهراً نظيفاً في كل الأوقات، واعتبر هذا الجسم السليم والقوة الجسدية ميزة في الأشخاص، يقول رسولناe: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خيـر، احرص على ما ينفعـك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: ما قدر الله وما شاء فعل، فإن لو!! تفتح عمل الشيطان ([8]) وفي الحديث علاج لأمراض النفس، حتى لا يسيطر عليها القلق والاضطرابات والمؤثرات الخارجية.

إن العمل الخيري يجعل في النفس ارتياحاً وطمأنينة، ويُضْفي على المجتمع استقراراً ورخاءً وسكينة، ويخفف الالام والمعاناة عمن يتألم ويتأوه من أوجاعه وأحزانه، والهدف من هذه الأعمال الخيرية والإنسانية هو تحسين نوعية ومنهجية الحياة التي يَحْيَاها الإِنْسان، وكيف يُمكن له أن يتغلب على مشكلات الحياة ومتاعبها، ويُساهم في السعادة التي يتمناها بعض بني البشر ولا يجدونها.

وفي المقال القادم بإذن الله سنتطرد باقي الموضوع ...

 

حجازي عبد النبي
كاتب وباحث في الشؤون الإسلامية