.jpg?1730101078763)
تمر الأيام والسنون وتبقى ذكرى الصالحين خالدة في النفوس، ففي يوم الأحد 10 شعبان 1427هـ، الموافق 3 سبتمبر 2006م، ودَّعت الأمة الإسلامية رائد العمل الخيري والإسلامي السيد عبدالله بن علي بن عبدالوهاب المطوع القناعي "أبو بدر"، بعد مسيرة عطرة في ميادين شتى للبذل والعطاء.
ولد الراحل عام 1345هـ/ 1926م بالكويت، ونشأ في أجواء عائلية محافظة، وتلقى تعليمه الأوليّ في الكويت، وعمل جاهدًا على التقرب من العلماء وأصحاب الهمم العالية من العاملين للإسلام، وكان شقيقه الأكبرعبدالعزيز المطوع معاونًا وسندًا له.
كان الراحل من أبرز رجالات العمل الخيري، محبًا له، ومنفقاً سخيًا على جميع أوجه البر والخير، كان يستقبل بمكتبه وبيته ومسجده أصحاب الحاجات، ويسعى جاهدًا إلى تلبية احتياجاتهم، حتى أصبح من الشخصيات البارزة في الكويت ومن أهل الخير والصلاح، وصاحب أيادٍ بيضاء ـ عز نظيرها - في مساعدة المحتاجين ونشر الخير بين الناس ودعم مؤسساته.
كان أبو بدر مثالًا حيًا لرجال الأعمال المسلمين، الذين يستخدمون نعم الله في سبيله سبحانه؛ فكان موفقًا بفضل الله في أعماله التجارية، وكان كل توفيق في ربحية الدنيا يقابله توفيق في السخاء والدعم لكل ما يحبه الله ويرضاه.
أسهم الراحل في تأسيس مكتبة المنار الإسلامية عام 1960م، وجمعية الإصلاح الاجتماعي عام 1963م، ومدرسة النجاة الخاصة عام 1970م، والهيئة الخيرية 1984م، وكان سخيًا في دعم دورات تحفيظ القرآن الكريم، ومعارض الكتاب الإسلامي، والمواسم الثقافية، واستضافة الوفود والمحاضرين والعلماء، وإقامة المشروعات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية والصحية والرياضية وغيرها، وامتدت أياديه البيضاء المنفقة وأعماله الخيرية المبهرة لأنحاء العالم الإسلامي.
قال عنه العلامة الشيخ يوسف القرضاوي - رحمه الله: كان مرجعًا لكل من يأتي إلى الكويت لطلب المساعدة في المشروعات الخيرية والإسلامية من كل أقطار العالم، رأيته في بيشاور في محاولات الإصلاح بين المجاهدين في أفغانستان، ورأيته في فرنسا في افتتاح الكلية العلمية الإسلامية، ورأيته في مؤتمرات شتى تعمل للإسلام.
وحين ناديت ـ والكلام للقرضاوي - بضرورة تأسيس هيئة خيرية عالمية رأسمالها ألف مليون دولار، وأعلنت ذلك في ختام مؤتمر المصارف الإسلامية المنعقد في الكويت في عام 1978م، أقبل عليَّ، وهمس في أذني قائلًا: إني أتبرع بمليون دولار، وأرجوك ألا تعلن عن اسمي، ولم يكتفِ بذلك، بل ضم إلى المليون عمارتين من عماراته أوقفهما لصالح المشروع، وكان أبو بدر عضو اللجنة التحضيرية التي قامت بالإعداد للمشروع الكبير مع الإخوة يوسف الحجي، وسليمان الراجحي، وعبدالله العقيل، والفقير إليه تعالى، حتى تأسست الهيئة الخيرية العالمية في 1984م.
وحين دعوتُ إلى تأسيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، قدم له دعمًا سخيًا بواسطة الأخ الجليل د.عجيل النشمي.. لم يكن عبدالله المطوع مجرد رجل من ذوي الثراء، فقد عاش عمره صاحب دعوة وحامل رسالة نذر لها عمره ووهب لها وقته وماله وفكره.
إنشاء المصارف الإسلامية
ولعل ما لا يعرفه كثيرون عن دور العم عبدالله المطوع في ميلاد المصارف الإسلامية، فلولا جهوده وإخوانه ما رأت هذه المصارف النور، حيث تحولت إلى خطوات عملية من خلال تشكيل لجنة تحضيرية لدراسة مشروع بنك إسلامي بالكويت في عام 1968م، وتكونت تلك اللجنة من السادة: عبدالله المطوع، وجمال الدين عطية، وهمام الهاشمي، ونزار السراج، وإسماعيل رأفت، ومحب المحجري، ومحيي الدين عطية، وعبدالله العقيل، وعبدالواحد أمان، وتم تعيين رائد البنوك الإسلامية فيما بعد د.عيسى عبده مقررًا لها، ودعت اللجنة الشيخ إرشاد، صاحب أول تجربة لمصرف تعاوني إسلامي لا ربوي في باكستان، لزيارة الكويت ولقاء اللجنة للوقوف على تجربته وما واجهته من معوقات.
ويرجع الفضل لهذه اللجنة في وضع لائحة بيت التمويل الكويتي، ومذكرة التعريف به كشركة مساهمة كويتية تحت التأسيس، وكان د.عيسى عبده دائم التواصل لتحويل هذا المشروع إلى واقع من خلال لقاءاته المستمرة مع أعضاء اللجنة وغيرهم من أمثال السادة: عبدالعزيز الصقر، ويوسف الرفاعي، وعبدالعزيز المطوع، وعبدالعزيز العتيبي، وأحمد بزيع الياسين، ويعقوب الغنيم، ود.وحيد رأفت، ود.محمود الشافعي، ود.عثمان خليل، ود.عبدالرحمن عبدالخالق، ومحمد الأشقر، وعمر الأشقر، وعبدالستار أبو غدة.. وغيرهم.
وما لبث أن قام وزير المالية الكويتي ـ حينئذ - عبدالرحمن سالم العتيقي بالاتصال بالدكتور عيسى عبده، مبينًا حرصه على إقامة مشروع بيت التمويل الكويتي، وأرسل إليه مندوبًا لتسلم ملف الدراسات الخاصة بالمشروع، وبعدها أسس بيت التمويل الكويتي في عام 1977م.
وعن بداية اهتمامه بالعمل الخيري، قال المطوع - رحمه الله: انطلاقًا مما يمليه عليَّ إسلامي شاركت في مسيرة العمل الخيري، وهذه المشاركة ليست منة مني أو فضلًا على أحد وإنما هي واجب شرعي، فالعمل الخيري جزء من صميم تكوين المسلم وثقافته الإسلامية، وهو عبادة من أجلّ العبادات حيث يشعر فيها المسلم بحاجات الآخرين، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس منا من بات شبعان وجاره جائع".
قال عنه الشيح أحمد القطان ـ رحمهما الله: لقد أوقف الراحل سبع عمارات قيمتها بالملايين، للعمل الخيري، إن هذا الإنسان كان ينفق إنفاق من لا يخاف الفقر، وقد كنا نقرأ في الكتب عن أمثال هؤلاء الرجال الأفذاذ الذين يبذلون ولا يبالون، وهذا مشهد واحد رأيته، والذي لا أعلمه منه لا يحصيه إلا الله، فهو رئيس جمعية الإصلاح الاجتماعي، وهو الذي أسس مع أخيه عبدالعزيز، عليه رحمة الله، جمعية الإرشاد في الكويت التي تحولت بمرسوم أميري إلى جمعية الإصلاح، وكان يشرف بنفسه على مجلة "المجتمع"، وكنت أجلس بجانبه الساعات يراجعها كلمة كلمة وحرفًا حرفًا لا يمل ولا يكل، وهي تتبنى قضايا الأمة من مشرقها إلى مغربها وعلى رأسها قضية الأقصى والإسراء والمعراج، ورأيته، رحمه الله رحمة واسعة، يشرف على العمل الخيري ويتابعه.
وتابع القطان: إن جمعية الإصلاح الاجتماعي التي ترأسها المطوع كانت تكفل أكثر من 50 ألف يتيم، وقد بنت الجامعات والمدارس والمآوي والمستشفيات والملاجئ وآلاف المخابز، تنطلق بأمره الإغاثات السريعة حتى أصبح رجلًا عالميًا مميزًا، لسنا نحن الدعاة في الكويت وحدنا الذين فقدناه، بل فقده المسكين والأرملة واليتيم والمستضعف، وطالب العلم، والجوعى والحفاة والعراة يذكرونه، إنه والله أبو الأيتام.
وأضاف: رأيته أيضًا عن قرب وهو يحيط به الفقراء والمساكين في كل فرض صلاة، فيجلس على الكرسي في باحة المسجد في مدينة أبها السعودية، القريب من بيته، هذا يقدم عريضته، وهذا يقدم مشروعًا للأيتام، وذاك يقدم مشروعًا لتحفيظ القرآن في اليمن ومصر وسورية ولبنان، يتلقاهم بالترحاب والابتسام، رأيته أريحيًا في خروجه معنا هناك في غابات أبها، يبذل للناس من المال ما يسد العوز، أينما يتحرك، يتحرك الناس خلفه، رحمة الله عليه.
ويروي القطان وقائع أخرى حية من سيرة الشيخ المطوع قائلًا: لقد رأينا أيام الاحتلال عجبًا من أمره، كان بجوار أمير البلاد يتصل بقيادات العمل الإسلامي في العالم، قائلًا لهم: قفوا مع الكويت، إذ وقفت معكم في كوارثكم ومحنكم، ولا يدعهم حتى يأخذ تأييدهم، ثم نراه مع همه الوحيد قضية القدس والأقصى وغيرها.
رحم الله العم عبدالله المطوع، وتقبله في الصالحين، وأسكنه فسيح جناته.
.jpg?1730101103440)
.jpg?1730101136046)
.jpg?1730101156211)