الشيخ جابر الأحمد في ذكرى رحيله الـ 19.. عطاءات خيرية خالدة ومواقف إنسانية

 on  مارس 4, 2025

في مراحلٍ مفصلية من تاريخ الكويت، راود أهل الخير حلم إنشاء مؤسسة خيرية للإسهام في تعزيز العمل الخيري والإنساني عالميًا، كان هذا الحلم هو إطلاق مشروع "الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية".

وفي الوقت الذي كانت فيه فكرة الهيئة لا تزال في بداياتها، جاء دور الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد – رحمه الله – الذي تبنى هذا الحلم، ورعاه،  حتى اشتد عوده، واستوى على سُوقِه، وتحول من مجرد فكرة إلى مؤسسة خيرية تسعى إلى بناء الإنسان في مختلف أنحاء العالم.

اليوم، وبعد زهاء 4 عقود من العطاء المتواصل، تواصل الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية مسيرتها في تحقيق أهدافها الإنسانية التنموية السامية، مستندة إلى إرث الأمير الراحل ومبادئه النبيلة التي جعلت من العمل الخيري جزءًا أساسيًا من هوية الكويت واسهاماتها في خدمة الإنسانية.

وتقديرًا لحاجة الأمة، وانطلاقًا من التوجهات الإنسانية لدولة الكويت، انطلقت الهيئة الخيرية في عام 1984م وأشهرت رسميًا بقانون رقم (64/1986م)، الذي نص على أن تكون الهيئة ذات شخصية اعتبارية، تتخذ من الكويت مقرًا لها ، ولها أن تنشئ فروعًا خارج الكويت، وتباشر نشاطها وفقًا لأحكام نظامها الأساسي، الذي صدر بمرسوم أميري في 4 جمادى الآخرة 1407 هـ الموافق 3 فبراير 1987م. 

ومع حلول الذكرى السنوية الـ19 لرحيل الشيخ جابر المتوفى في 15 يناير عام 2006م، تستدعي الذاكرة التاريخية دور هذا القائد الكبير في إنشاء الهيئة الخيرية بحسن استقباله نخبة من علماء الأمة ورجالات الخير، طلبوا لقاءه لعرض مشروع الهيئة عليه، فما كان منه - رحمه الله - إلا أن بارك المشروع، ووافق على احتضان الكويت له.

ولم يكتفِ الشيخ جابر الأحمد، الحاكم الـ13 لدولة الكويت، بمنح الهيئة الخيرية خصوصية ومكانة مرموقة على خريطة العمل الخيري، بل خصص موقعًا مميزًا لها، وهو الموقع الحالي في منطقة جنوب السرة بدولة الكويت، كما كان سخيًا في دعمها ماديًا، وتذليل كل الصعوبات أمام انطلاقتها المباركة.

جابر الخير

وقد لُقّب الشيخ جابر الأحمد بـ "جابر الخير" لما شهده العمل الخيري في عهده من تطور كبير وانتشار واسع، إذ لم تكد تخلو في عهده دولة عربية أو منطقة إسلامية من المشاريع الخيرية والإسلامية الكويتية كالمساجد والمستشفيات والمعاهد ومراكز تحفيظ القرآن الكريم وغيرها من المشاريع الخيرية، حتى بات اسم الكويت يتردد في جميع أصقاع العالم.

ووفق شهادة رئيس مجلس إدارة الهيئة السابق العم يوسف الحجي - رحمه الله - كان الأمير الراحل يرفض كتابة اسمه على العديد من الأعمال والمشاريع الخيرية التي رعاها ودعمها معنويًا وماديًا.

وعُرف عن الراحل بأنه كان محبًا للخير، أعطى وضحّى وبذل في سبيل رفعة دينه ووطنه وأمته، وُسم بـ "أمير القلوب"، وسَطَر في صفحات التاريخ مواقف مشرقة ومشرّفة، ستبقى بإذن الله تعالى خالدة في ذاكرة الأجيال.

شهادة الحجي

ولشخصية الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد جوانب إسلامية وخيرية مضيئة - أوضحها العم يوسف الحجي – رحمه الله - في لقاءات سابقة مع مجلة العالمية - قائلاً: لقد عايشته عن كثب إبّان تحمّلي مسؤولية حقيبة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وقد وجدت منه كل تعاون في أمور الأوقاف والمساجد والشؤون الإسلامية، فكان نعم الموجّه، ونعم القائد الذي يهتم بالمساجد، ويحرص على تدريب الأئمة والخطباء، كما كان من الداعمين لإطلاق إذاعة القرآن الكريم، ورعاية الدعاة في الخارج، وله يعود الفضل بعد الله تعالى في إنشاء المسجد الكبير، ورفض أن يطلق عليه اسمه.

ويتابع العم يوسف الحجي - رحمه الله - قائلاً: مما أتذكّره أن الشيخ جابر - رحمه الله - زار عددًا من دول آسيا بعد توليه إمارة البلاد في عام 1979م، وكنت أحد مرافقيه في رحلاته إلى باكستان والهند وبنغلاديش وسنغافورة وماليزيا، وفي تلك البلاد رأيته حريصًا على مساعدة المسلمين، وتفقّد أحوالهم وشؤونهم، وكان دائمًا يحثني على تقصي طلباتهم واحتياجاتهم لبحثها والعمل على تلبيتها، كما كان يهتم بالفقراء اهتمامًا كبيرًا خاصة في الهند وبنغلاديش وباكستان وإندونيسيا، وكان يحرص على تسليم المساعدات للفقراء والمحتاجين مباشرة.

واستمرت الرحلة 15 يومًا – كما يروي الحجي رحمه الله – تفقّد خلالها أحوال المسلمين ووقف على احتياجاتهم وعمل على تلبيتها ووجه إلى استمرار التواصل معهم، وعندما بدأ الهجوم الروسي على أفغانستان كان نعم المؤازر والداعم لبناء المستشفيات وتقديم المساعدات لضحايا الحرب.

ويواصل الحجي شهادته قائلاً: لقد كان للأمير الراحل الشيخ جابر دور رائد في تأسيس بيت التمويل كأول بنك إسلامي في الكويت، والذي انبثقت عنه شركات وبنوك إسلامية عديدة، كما انتقلت التجربة إلى دول الخليج، وأصبحت المصرفية الإسلامية صناعة مهمة في مجال الاقتصاد الإسلامي.

ويذكر الحجي للشيخ جابر الأحمد – رحمهما الله - دعمه لإنشاء كلية الشريعة والدراسات الإسلامية التي أصبحت صرحًا علميًا كبيرًا.

وكان من طموحاته – كما يروي الحجي - إنشاء جامعة إسلامية في الكويت، وفي السياق نفسه كان حريصًا على دعم الجامعات الإسلامية، مشيرًا إلى تشييده مبنيين كبيرين لسكن طلبة الجامعة الإسلامية في إسلام أباد من خلال الأخ يوسف الفليج - رحمه الله.

كما كان الأمير جابر – والكلام للحجي - صاحب مبادرة تعزيز القوانين والتشريعات الإسلامية، ومن أجل ذلك شكّل لجانًا لها، ووجه وزارة الأوقاف إلى اختيار نخبة من الشخصيات لمراجعة القوانين في ضوء الشريعة الإسلامية، وبعد التحرير أصدر مرسومًا بإنشاء اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

كما كان للأمير الراحل - وفق شهادة الحجي - دور مشهود في دعم ومساندة العمل الخيري، إذ أنشأ بيت الزكاة ودعمه بملايين الدنانير سنويًا، وقدّم الدعم لأبناء الكويت في الداخل والخارج أثناء الاحتلال العراقي الغاشم، وأنشأ صندوق الأجيال القادمة ومؤسسة التقدم العلمي، والجمعية الكويتية لرعاية المعوقين كأول مؤسسة كويتية تهتم بهذه الفئة.

الداعم الأول

وحول دور الشيخ جابر في تأسيس الهيئة الخيرية، قال العم يوسف الحجي - رحمه الله - إنه كان الداعم الأول لها، بعد أن طرح فكرتها العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، وتبنّتها نخبة من علماء الأمة ورموزها الخيرية من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

وبفضل الله ثم دعم الأمير الراحل – والحديث للحجي - أصبحت الهيئة مؤسسة خيرية عالمية تعمل في مجالات إغاثة المنكوبين من جراء الحروب والنزاعات والكوارث، وتقدم المساعدات الإنسانية للأيتام والأسر المحرومة، وتعمل على تمكين المجتمعات الفقيرة، وإقامة مشاريع تنموية لإعفاء أبنائها من ذل السؤال، وتوفير العمل للعاطلين من خلال التدريب المهني والقروض الصغيرة.

الكويتية للإغاثة

ويشير الحجي - رحمه الله - في تصريحات سابقة لـ "العالمية" إلى أن إنشاء اللجنة الكويتية للإغاثة التي أُشهرت فيما بعد تحت اسم "الجمعية الكويتية للإغاثة" جاءت تلبية لرغبة الأمير الراحل، الذي كان يرى ضرورة توحيد جهود الجمعيات الخيرية الكويتية في العمل الخيري والنهوض به إثر الفيضانات التي اجتاحت بنغلاديش في منتصف الثمانينيات.

ويؤكد الحجي في شهادته على خيرية الشيخ جابر - رحمه الله: كان يوصينا دائمًا بالإعلان عن أعمالنا الخيرية والإنسانية ويقول لنا: "اعملوا وأعلنوا عن أعمالكم وارضوا ربكم"، إيمانًا منه بأن الإعلان عن الأعمال الخيرية ينشر قيم البر والإحسان، ويستقطب الخيرين والمحسنين للتفاعل معها.

ومما يذكره العم يوسف الحجي أيضًا أن الأمير الراحل كان حريصًا على رفعة الأمة، ودعم كل عمل إنساني خاصة عند وقوع الكوارث، فكان إذا سمع بكارثة وقعت في بلد ما حتى لو كانت غير إسلامية هبّ لمساعدة منكوبيها وتسيير الطائرات وإرسال الوفود لتعمير ما دمرته النوازل والنكبات، فضلًا عن تأسيسه صندوق التنمية الكويتي، وإطلاقه مبادرة إسقاط الديون عن الدول الفقيرة.

مسيرة حافلة

وحول المناقب الإنسانية للشيخ جابر الأحمد - رحمه الله - قال رئيس مجلس إدارة الهيئة الخيرية د. عبد الله المعتوق إنه كان قائدًا كبيرًا عرفته شتى ميادين العطاء، باذلًا ومدافعًا عن قضايا وطنه وأمته وداعمًا لمسيرة العمل الخيري، وصاحب مسيرة حافلة بإنجازات كبيرة وعظيمة تجاوزت حدود الكويت إلى أصقاع العالم العربي والإسلامي.

ومن أهم إنجازاته في الحقل الخيري - كما يراها د. المعتوق - دعمه غير المحدود للعمل الخيري ومؤسساته، ومن أبرزها استجابته الكريمة - رحمه الله - لنداء علماء الأمة ومفكريها ورجالات الخير بإنشاء الهيئة الخيرية، بالإضافة إلى دعمه تأسيس صروح ومؤسسات إسلامية وخيرية كبيرة أخرى أسهمت في تعزيز مكانة الكويت بين شعوب العالم.

ويتابع د. المعتوق: إن إنشاء الهيئة الخيرية بدعم من الشيخ جابر جاء ليعطي العمل الخيري الكويتي دفعة وانطلاقة كبيرة في ميادين الخير والعطاء الإنساني، لافتًا إلى أن مشاريعها وبرامجها انتشرت في جميع أنحاء العالم وتنوّعت بين المساجد والمستشفيات والمعاهد ومراكز تحفيظ القرآن الكريم ودور الأيتام والمدارس والجامعات والمشاريع التنموية والقرى الإغاثية والمشاريع الإنتاجية والتدريبية للعاطلين التي استهدفت إخراجهم من دائرة العوز إلى حيز العمل والإنتاج بعيدًا عن ذل السؤال.

التصدي للهجمة الشرسة

وأشار إلى أن التاريخ يسجّل للشيخ جابر الأحمد موقفه المشرّف في التصدّي للهجمة الشرسة التي حاولت النيل من العمل الخيري، موضحًا أن عهده شهد تطورًا كبيرًا في مسيرة العمل الخيري الذي تحلّق حوله المخلصون والمحسنون فزادوه انتعاشًا ونموًا وازدهارًا.

وأوضح د. المعتوق أن الراحل قدّم الدعم لمختلف القضايا العربية والإسلامية من خلال تأسيسه الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية في 31 ديسمبر عام 1961م، مشيرًا إلى أن الصندوق لعب دورًا كبيرًا في دعم الجهود الإنمائية في الدول الفقيرة وخاصة العربية.

ويعزو د. المعتوق نجاح العمل الخيري إلى ما يحظى به من دعم كبير من جانب القيادة السياسية الكويتية عبر التاريخ، وحرصها على الإسهام في مواجهة الاحتياجات المتزايدة للمجتمعات الفقيرة سواء عبر المنظمات الإنسانية الرسمية أو الأهلية.

نسأل الله أن يرحم أميرنا الراحل الشيخ جابر الأحمد، رحمة واسعة، وأن يُنزله منازل الأبرار والشهداء والصالحين، وأن يجزيه خير الجزاء، وأن يجعل هذه الأعمال الخيرية في ميزان حسناته، وأن يُسكنه فسيح جناته.