تواصل الهيئة الخيرية حملة جمع التبرعات "دعمًا لغزة"، مصحوبة بقائمة من المشاريع المتنوعة الهادفة إلى تلبية الاحتياجات الأساسية من الغذاء والدواء والإيواء لأهل غزة، وسط استمرار العدوان الهمجي على المدنيين الفلسطينيين، وارتكابه أبشع جرائم الإبادة الجماعية وأفظع العقوبات الجماعية، وإجبار 90% من سكان غزّة على النزوح من منازلهم، وهدم أكثر من 70% من المنازل.
استمرارًا لموقفها الداعم للوضع الإنساني في غزة، تسعى الهيئة إلى كفالة عدد كبير من الأطباء والممرضين والمسعفين، حرصًا منها على الإسهام في تقديم الرعاية الطبية والخدمات العلاجية للمرضى والجرحى الذين تقدر أعدادهم بعشرات الآلاف، وقد حددت كفالة الطبيب أو الممرض أو المسعف الواحد بـ 124 دينارًا شهريًا.
وبالنظر إلى ما ينتظره الآلاف من الأطفال والأسر الفلسطينيين الذين فقدوا المعيل من مصير صعب بسبب الآثار المدمرة التي لحقت بهم، وخصوصًا الذين أصيبوا جراء العدوان الغاشم الذي تسبب لهم في اليتم والإعاقة الدائمة الكلية والجزئية، ناشدت الهيئة الخيرية المحسنين المبادرة إلى كفالة اليتيم الواحد بـ 30 دينارًا شهريًا، والمعاق بـ 25 دينارًا شهريًا.
وبفعل العدوان البربري المستمر على مدى ثلاثة شهور، بات شبح المجاعة يهدد حياة مئات الآلاف من النازحين، لذا تعمل الهيئة على دعم مشاريع الغذاء وتوفير الطرود والسلال الغذائية لعشرات الآلاف من الأسر التي فقدت كل ما تملك من بيت ومزرعة ومصدر دخل ونزحت لتقيم في خيمة بدائية في ظل أجواء فصل الشتاء الباردة، وفي هذا الإطار طرحت الهيئة مشروع الألف سلة غذائية، حيث تقدر قيمة السلة الواحدة التي تشتمل على بعض المواد الأساسية بـ 25 دينارًا.
ووفق الأمم المتحدة، فإن سكان غزة وعددهم 2.3 مليون نسمة معرضون لخطر المجاعة، مع استمرار إعاقة إمدادات الغذاء، بعد أن استنفدوا جميع مواردهم، وانهارت سُبل عيشهم، ودُمّرت المخابز، وأصبحت المتاجر فارغة، ولا تستطيع الأُسر العثور على الطعام، لذا تعمل الهيئة على تجهيز عدد من الشاحنات الإغاثية، لإطعام 1500 أسرة، بقيمة 25 دينارًا للأسرة الواحدة، وتقديم 2500 وجبة يوميًا لمدة شهر، بقيمة 15 دينارًا للشخص الواحد.
.jpeg?1704974624217)
وفي ظل ما تعرض له القطاع الصحي من تدمير وتخريب وخروجه عن الخدمة، إما بسبب نفاد الوقود والأدوية، أو بسبب التعطيل الناجم عن التخريب والهدم المتعمد، فإن توفير الطرود الدوائية والحقائب الأولية لمعالجة المصابين والجرحى الذين يقدر عددهم بالآلاف أصبح ضرورة قصوى، ولذلك تحرص الهيئة على توفير المستلزمات الطبية اللازمة لاستمرار عمليات الإسعاف الأولي للناجين من الحرب عبر دعوة المحسنين إلى المسارعة لتوفير 1000 طرد دوائي، بقيمة 50 دينارًا للطرد الواحد، و2000 حقيبة إسعافات بقيمة 18 دينارًا للحقيبة الواحدة.
ومع ارتفاع عدد النازحين في قطاع غزة إلى 1.8 مليون شخص حسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في أكبر عملية نزوح في التاريخ، أصبحت الأسر الغزية في العراء بلا مأوى يسترهم، ولا دار تؤويهم، في انتظار خيمة تكفل لهم بعض الخصوصية، ومن هذا المنطلق جاء مشروع الهيئة الخيرية لتوفير 2000 خيمة صغيرة للنازحين لتؤويهم من برد فصل الشتاء وأمطاره وعواصفه بعد أن فقدوا أمان بيوتهم ودفء منازلهم، بتكلفة 102 دينار للخيمة الواحدة، و2000 خيمة كبيرة بقيمة 135 دينارًا للخيمة الواحدة.
بفعل استمرار القصف العشوائي واستهداف المنازل وحلول فصل الشتاء، وتساقط الأمطار وانخفاض درجات الحرارة، تفاقمت مأساة النازحين في قطاع غزة، حيث يعيش الآلاف في الخيام والمدارس، من دون أغطية وملابس شتوية تقيهم برودة الشتاء، وهو ما جعل الهيئة تطلق مشروع كسوة الشتاء ضمن حملتها لهذا العام لتوفير 1000 حقيبة بقيمة 40 دينارًا للحقيبة الواحدة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له"، في هذا السياق تطرح الهيئة مجموعة من وقفيات الإسراء، تحت شعار "عطاء مرة وصدقة مستمرة"، بهدف توفير مورد دائم يخصص كصدقة جارية ومستمرة للمساهمة في دعم المشاريع المتنوعة في فلسطين في جميع أنواع البر و الخير (طلبة العلم، العون الإغاثي، إفطار الصائم، سقيا الماء، الأضاحي، المعاقين، الأيتام، المشاريع المجتمعية، خدمة القرآن الكريم والمراكز الدعوية، المشاريع الإنتاجية والخيرية، المسجد الأقصى وعموم مساجد فلسطين).
ومن عوائد استثمار هذه الوقفيات التي يتبناها أهل الخير والبر والإحسان، تمول الهيئة جميع المشاريع الخيرية والتنموية التي تخفف من معاناة أهل فلسطين، وخصوصًا أهل غزة الذين فقدوا كل شيء من حولهم، فلا معيل لهم، ولا بيت يؤويهم، ولا معين لهم على توفير مقومات الحياة، بعد الله سبحانه وتعالى إلا كل محسن وصاحب عطاء.
ومن منطلق الحديث: "مثـــل المؤمنين في توادهــــــــم وتراحمهـــم وتعاطفهـــم مثـــل الجســـــد إذا اشـــــتكى منـــــه عضـــــو تداعـــــى لـــــه ســـــائر الجســـــد بالســـــهر والحمـــــى"، قال رئيس الهيئة الخيرية د. عبد الله المعتوق: منـذ 17 عامًا وغـزة ترزح تحت نير حصـار خانـق وجائر، وتتعرض لاعتداءات غاشمة متتالية تتنافى مع الأعراف والمواثيق الإنسانية الدولية.
.jpg?1704974655768)
وأضاف أن أهل غزة يعيشون محنة إنسانية قاسية وغير مسبوقة، وأمام هول المشهد الإنساني الذي يعيشونه، من تحويل بيوتهم إلى ركام وتهجير وقصف عشوائي، وجعل الأرض مقبرة كبيرة للأطفال والشيوخ والنساء، ومرض وبرد وجوع، فإن الهيئة والمحسنين الكرام يتحملون واجبًا شــرعيًا في دعمهم ونصرتهم للتخفيف من معاناتهم.
ومن جانبه، أهاب رئيس هيئة الفتوى والرقابة الشرعية بالهيئة الخيرية د. عجيل جاسم النشمي بأهل الكويت الخيرين والمقيمين إلى البذل المطلق السخي الذي لا يقتصر على دفع الزكاة فحسب، مشيرًا إلى أن الفقهاء اتفقوا على أن في المال حقًا سوى الزكاة، وقالوا بجواز تعجيل الزكاة لمثل حال النكبات والحروب، لقوله تعالى (وما تنفقوا من خير تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظم أجرًا).
وأضاف: كلنــا يعيــش الأحداث التي يعيشــها إخواننا في فلســطين خاصة في غزة والضفة الغربية.. وتعجيل الزكاة جهاد في سبيل الله، والله عز وجل جمع بين جهاد المال وجهاد النفس في عشرة مواضع، تسعة منها في تقديم جهــاد المــال، فابذلوا والله تبــارك وتعالى يكتبنا وإياكــم من المجاهدين في سبيله.
كما قال د. النشمي في فتوى بشأن أولوية استحقاق المقدسيين للزكاة والصدقات على غيرهم من المستحقين أن أهل القدس (المقدسيين) هم اليوم حراس المسجد الأقصى المرابطون المجاهدون، يعيشون في ظروف سياسية وحياتية اجتماعية بالغة الصعوبة، فهم بلا ريب يستحقون الزكاة والصدقات، لا يختلف في ذلك أحد، ولكننا نقول لهم الأولوية في استحقاق الزكاة والصدقات على غيرهم. وتبنى هذه الأولوية الشرعية على أمور:
أولًا: أن جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة متفقون على أنه عند التزاحم بين المستحقين الزكاة، يجوز أن تدفع الزكاة إلى كلهم أو في واحد منهم؛ لأن مراد الآية في قوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين...) الآية، بيان للأصناف التي يجوز الدفع إليها لا تعيين الدفع لهم، يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى مال الصدقة جعله في صنف واحد، وهم المؤلفة قلوبهم، ثم لما أتاه مال جعله في الغارمين وما ذاك إلا تحقيقٌ للمصلحة العامة ويناظر الصنف الواحد أهل البلدة الواحدة إذا استحقوا الزكاة، وحال أهل القدس هي كذلك .
ثانيًا: تقديم المصلحة العامة على المصلحة الأدنى والأقل، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصدقة على ذي الرحم من كاشح" - وهو الذي يظهر العداوة - الترغيب والترهيب للمنذري 71/2 ورجاله رجال الصحيح؛ لأن فيه مصلحتين، فتقدم مصلحة القرابة ونزع الكراهية على القرابة فقط. وقال صلى الله عليه وسلم: "الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة " صحيح ابن حبان: 3344 وقد جاءت الشريعة بتقديم المصالح وتكثيرها ودفع المفاسد وتقليلها، فمصالح دفع الزكاة والصدقات لأهل القدس فيه عظيم المصالح للمسلمين عامة وأخصها الحفاظ على الأرض المباركة وفيها المسجد الأقصى قبلة المسلمين، وإليه تهوى الأفئدة الفائدة المسلمين في المصلحة، وقد قال الفقهاء من استدان لإصلاح ذات البين بين قبيلتين أو شخصين أو أشخاص أعطي من سهم الغارمين، ويقدم على من استدان لقري ضيفه، ويعطى طالب العلم من الزكاة ولا يعطى المنقطع للعبادة لعموم ما يرجى من نفع الأول .
.jpeg?1704974686272)
ثالثًا: فإن قواعد الشرع تقتضي تقديم من اجتمعت فيه أكثر صفات الاستحقاق ومن كان في إعطائه نفع أعم للمسلمين فيقدم على غيره لشمول وعموم النفع، وأهل القدس مرابطون مجاهدون يقدمون على غيرهم، وقد زكاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "رباط يوم خير من الدنيا وما عليها" ، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية في فضل المرابطين اتفاق الفقهاء على أن المرابطة أفضل من المجاورة بالمسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، بل إن أهل القدس قد اجتمع لهم مع وصف الرباط كونهم من الفقراء والمساكين، وهم عاملون على الزكاة، وغارمون من كثرة ما تحملوا من الضرائب المفروضة عليهم من العدو المحتل، وفيهم أبناء السبيل من المشردين ممن سلبت منازلهم وهدمت، فاجتمع فيهم من أوصاف الاستحقاق سبعة من ثمانية، بل يدخل بعضهم في (المؤلفة قلوبهم) لما في الدفع إليهم من التثبيت على إيمانهم وتقوية عزيمتهم في الثبات على أرضهم.. فأهل القدس حينئذ قد استحقوا التقديم على غيرهم في استحقاق الزكوات والصدقات.
ولما سبق مجتمعًا يقول د. النشمي: إن على من اختارهم الله وابتلاهم بيسر الحال وسعة الرزق أن يأخذوا بأولوية أهل القدس (المقدسيين) عند دفع زكواتهم وصدقاتهم ليكونوا - إن شاء الله - معهم من أهل الجهاد والرباط، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيًا في أهله بخير فقد غزا" متفق عليه.