العم يوسف الحجي إرثًا خيريًا وإنسانيًا جديرًا بالاحتذاء والرصد والتوثيق

 on  نوفمبر 26, 2025

العم يوسف الحجي إرثًا خيريًا وإنسانيًا جديرًا بالاحتذاء والرصد والتوثيق
أبو يعقوب عُرف الراحل بالهدوء والرزانة ولين الكلمة وكان يتحلى بالورع والتقوى والزهد والتواضع
الراحل كان شغوفًا بالعمل الخيري ودؤوبًا في خدمة الإسلام والمسلمين وهمامًا في تفقد أحوالهم
كان لحضوره مجالس العلماء في صباه وتلقّيه دروس العلم في المساجد أكبر الأثر في تكوين شخصيته
الراحل قاد الهيئة الخيرية مدة ربع قرن مع قرابة 160 شخصية من العلماء والمفكرين ورجال الخير في العالم الإسلامي
الحجي ارتبط بعلاقات طيبة مع أمراء الكويت ووجهائها وقادة العمل الخيري في العالم الإسلامي
الحجي حرص على إصدار الموسوعة الفقهية إبان توليه وزارة الأوقاف وأسهم في تأسيس بيت التمويل وكلية الشريعة
الراحل حاز جائزة الملك فيصل لإسهاماته المتميزة في مجالات الدعوة الإسلامية والتعليم والعمل الخيري والإغاثة
الحجي نال العديد من الأوسمة والجوائز عرفانًا بجهوده الكبيرة في مجالات العمل الخيري والوطني

 في الخامس والعشرين من مارس 2020م، الموافق الخامس من شهر شعبان لعام 1441هـ، فقد العالم الإسلامي علمًا بارزًا من أعلام العمل الخيري، إنه العم يوسف جاسم الحجي الملقب بـ "أبي يعقوب"، الذي ودّع دنيانا عن عمر يناهز 97 عامًا، تاركًا إرثًا خيريًا وإنسانيًا جديرًا بالاحتذاء والرصد والتوثيق.
سطر الراحل طوال رحلته المهنية مشوارًا طويلًا من شتى صور العطاء والتفاني في خدمة الوطن وأصحاب الحاجة، ونشر قيم الخير والتعاون في مختلف بقاع العالم، مجسدًا مسيرة إنسانية وملهمة للأجيال، قاد خلالها العمل الخيري والإسلامي قرابة نصف قرن، وحمل رايته خفاقة عالية.
تمتع الراحل بخصال طيبة، حيث عُرف بالهدوء والرزانة، وخفض الجانب لمحبيه، وكان يتحلى بالورع والتقوى والزهد والتواضع ولين الكلمة، كما كان شغوفًا بالعمل الخيري ودؤوبًا في نصرة المسلمين في جميع بقاع العالم.
كان رمزًا من رموز الوسطية ودعاة الحكمة والموعظة الحسنة، وقد عمل طوال حياته في صمت، بعيدًا عن صخب الشهرة وضجيجها، وكان يتحرى في مواقفه الشرع.


مولد ونشأة يوسف الحجي


وُلِدَ الحجي في الحادي والعشرين من شهر أغسطس من العام 1923م، الموافق 1341هـ، في فريج العتيقي القريب من المدرسة المباركية في منطقة الوسط بمدينة الكويت القديمة. وترجع أصوله إلى بلدة إسليل في وادي الدواسر جنوب المملكة العربية السعودية.



نشأ الحجي في بيت علم يقصده العلماء ويؤمه الوجهاء، وكان يرافق والده إلى مجالس العلماء وتلقى العلم على العديد من المعلمين، من بينهم الشيخ عبد الله النوري ومعلمه عبدالرحمن الرويح، اللذان درّسا له اللغة الإنجليزية في (مدرسة ملا عثمان وإخوانه)، كما درس في مدرسة هاشم البدر القناعي، وكان من معلميه أيضًا الشيخ عبدالله الخلف الديحان، والشيخ أحمد الخميس، والشيخ عبدالوهاب الفارس، والشيخ محمّد الفارسي. كان لحضوره مجالسهم وتلقّيه دروس العلم في المساجد أكبر الأثر في تكوين شخصيته وتوجهه.


تدرج الحجي الوظيفي


يمثل الحجي - رحمه الله - جيلًا من رواد العمل الوطني والخيري الذين يشهد التاريخ المعاصر بمآثرهم وإنجازاتهم الكبيرة، لما سطّروه في ذاكرة الوطن من صفحات خالدة سيذكرها لهم التاريخ بأحرف من نور.
في بداية مشواره الوظيفي، عمل بوزارة الصحة حيث تم تعيينه مسؤولًا عن مخازن الأدوية من عام 1944م حتى عام 1960م. ثم سرعان ما تمت ترقيته وتعيينه مديرًا للنقليات والمشتريات لمدة عامين، وكان من إنجازاته تأسيس أول بعثة طبية للحج عام 1956م، وحج معها في عام 1960م كأمين لبعثة الحج.
في عام 1963م، ترقى الحجي ليصبح أول وكيل لوزارة الصحة العامة في عهد المرحوم عبدالعزيز حمد الصقر، أول وزير للصحة، حيث اختاره الشيخ عبدالله السالم من بين أسماء عدة رشحها له الوزير الصقر. في هذا المنصب كان شديد الحرص على المال العام، كما كان له دور بارز في تطوير الخدمات الصحية وإيصالها إلى القرى خارج مدينة الكويت.



قيادته للهيئة الخيرية الإٍسلامية العالمية 


الراحل – رحمه الله - صاحب مسيرة ممتدة من البذل والتضحية والتفاني والإخلاص في خدمة العمل الخيري، ترأس خلالها مجلس إدارة الهيئة الخيرية لمدة ربع قرن، حيث اختير بالإجماع رئيسًا لمجلس إدارتها. تلك المؤسسة العريقة التي وُلِدت فكرتها في مؤتمر المصارف الإسلامية في الكويت في 17 يونيو 1984م، إثر تحركات دؤوبة وجهود مكثفة لثلة رفيعة من علماء الأمة ورجالات الخير في دولة الكويت وخارجها، الذين كانوا يرون في إنشائها ضرورة حتمية لجمع مليار دولار للإنفاق من عوائدها على برامج بناء الإنسان وبناء قدراته.



تواصل عطاء الراحل – رحمه الله – ضمن نخبة من المؤسسين حتى أُشهِرت الهيئة رسميًا في دولة الكويت بقانون صدر عن مجلس الأمة تحت رقم (64/1986م). ثم أصدر سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح - رحمه الله - مرسومًا أميريًا بنظامها الأساسي في 3 فبراير 1987م، استجابة لنداء ثلة من علماء الأمة ورجالات الخير في الكويت والعالم، حيث كان الحجي على علاقة طيبة بالأمير الراحل، وهو الأمر الذي شكّل للهيئة دعمًا كبيرًا وحضورًا فاعلًا في ميادين الخير والعطاء الإنساني.



ترك الحجي - رحمه الله - بصمات واضحة في ميادين العمل الخيري، والذود عن قضاياه عبر مسيرة طويلة، قاد خلالها الهيئة الخيرية بنجاح مع قرابة 160 شخصية مرموقة من العلماء والمفكرين ورجال الخير والبر في العالم الإسلامي، وهم الذين شكّلوا جمعيتها التأسيسية. وقد نجحوا في توسيع نشاطها ومجالات عملها سعيًا إلى تحقيق أهدافها وغاياتها النبيلة والطموحة.

لقد تطورت الهيئة الخيرية في عهده - رحمه الله - وأصبحت واحدة من كبريات المؤسسات الخيرية في العالم الإسلامي، ووصلت بمشاريعها الإغاثية والتنموية والتعليمية والصحية إلى مختلف أصقاع العالم. وظل - رحمه الله – حريصًا على نهضة العمل الخيري ورفعته حتى قبيل مرضه. في عام 2010م، سلم الراحل راية قيادة الهيئة إلى د. عبدالله المعتوق، وتقديرًا لدوره الكبير وعطائه الجليل، قُلد منصب الرئيس الفخري، وظل في هذا الموقع حتى وفاته رحمه الله.
وعندما ترجل الحجي عن رئاسة الهيئة، قال خليفته ورئيس مجلس إدارة الهيئة الحالي د. عبدالله المعتوق: "يحق للعم يوسف الحجي أن يفتخر بمسيرته ويعتز بعطائقه، وهو يترجل عن منصب رئيس الهيئة، بعد أن كان على رأس مؤسسيها، وقائد مسيرتها الناجحة طوال 25 عامًا، على طريق الخير والبر حتى غدت ملء السمع والبصر، وأضحى إمامًا للعمل الخيري."

اسهامات جليلة


إلى جانب رئاسته للهيئة الخيرية، ترأس – رحمه الله - اللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة "الجمعية الكويتية للإغاثة حاليًا"، وكان لها دور كبير في إغاثة المناطق المنكوبة في العالم الإسلامي مثل بنغلاديش، البوسنة والهرسك، الصومال، لبنان، السودان، العراق وغيرهم.
كما ترأس جمعية الإصلاح الاجتماعي، وجمعية عبدالله النوري الخيرية، وشغل منصب نائب المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة الذي يترأسه شيخ الأزهر، وشارك - رحمه الله - في تأسيس بيت التمويل الكويتي، وكان عضوًا في مجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية في السودان، والمؤسسة الإسلامية في ليستر في المملكة المتحدة، والجامعات الإسلامية في كل من إسلام آباد وشيتاجونج والكونغو والنيجر.



كما نال عضوية المجلس الأعلى العالمي للمساجد التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، ومجلس إدارة بنك دبي الإسلامي، شارك في العديد من المؤتمرات والندوات الإسلامية في مختلف دول العالم، وله إسهامات مشهودة في العديد من الجهات والمؤسسات الخيرية والتعليمية.

جوائز وأوسمة
ولدوره الرائد في العمل الخيري والإسلامي، حاز العم يوسف الحجي على العديد من الجوائز والأوسمة خلال مسيرة حياته العطرة، واستحق بها التكريم والحفاوة في المحافل الكويتية والإقليمية والإسلامية، ومنها وسام رواد العمل الخيري بدولة الكويت عام 1980م، والوسام الذهبي للعمل الخيري من رئاسة جمهورية البوسنة عام 1996م، وجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام عام 2006، وكان لافتًا أنه تبرع بقيمتها لذوي الفاقة والحاجة والأيتام خلال حفل تكريمه بالمملكة العربية السعودية.


وقد منح جائزة الملك فيصل، لإسهاماته المتميزة في مجالات الدعوة الإسلامية والتعليم والعمل الخيري والإغاثة، ودوره في تأسيس كلية الشريعة بجامعة الكويت، وعضويته في مجالس أمناء جامعات إسلامية في أفريقيا وآسيا، والعديد من الهيئات والجمعيات الخيرية المحلية والعالمية.
وتقديرًا لإسهاماته الجليلة في مجال العمل الخيري الإسلامي والتعليم، منحته دولة الكويت وسام رواد العمل الخيري عام 1988م، كما حصل على الوسام الذهبي للعمل الخيري من جمهورية البوسنة عام 1996م، والدكتوراه الفخرية من جامعة أوغندا عام 2004م، كما نال الراحل جائزة العمل الإنساني لدول مجلس التعاون الخليجي عام 2009م، ووسام الكويت ذو الوشاح من الدرجة الأولى الذي تقلده من سمو الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح عام 2011م.
وجاءت هذه الأوسمة والجوائز عرفانًا بجهوده الكبيرة في مجالات العمل الخيري والتطوعي والوطني.



هذا غيض من فيض عطاء الراحل أبي يعقوب، نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته ورضوانه ويسكنه فسيح جناته.

إمام العمل الخيري وقدوة الخيرين
الحديث يطول عن همته العالية وجولاته التفقدية للمجتمعات الفقيرة وتواضعه الجم، ونكران ذاته، ودأبه في العمل، وأخلاقه الكريمة، وبذله من ماله الخاص، ودعمه لقضية فلسطين والقدس الشريف والأقصى المبارك بشكل خاص، وترحيبه بضيوف الكويت، وإيمانه بالعمل المشترك، وتعاونه مع المنظمات الإنسانية الدولية. وهذا ما جعل الراحل يحظى بتقدير واسع في العالم الإسلامي، إذ بعد رحيله لقبه البعض بـ "إمام العمل الخيري"، وأسماه آخرون "قدوة الخيرين"، كما وسمه البعض بـ "مجدد العمل الخيري"، وذهب آخرون إلى أنه "رائد العمل الخيري".


العمل الخيري عبادة إسلامية
كان أبو يعقوب - رحمه الله - يرى أن خدمة الفئات الضعيفة في العالم الإسلامي ليست مجرد عمل صالح من أعمال البر والخير وحسب، بل كان يراها عبادة إسلامية تصل إلى حد الفريضة على الإنسان القادر عليها؛ سعيًا إلى إغلاق كل ثغرات الضعف والوهن في الجسد الإسلامي، والعمل على الارتقاء بالضعفاء والمتضررين من أبناء المسلمين إلى مستوى إنساني لائق وكريم، يعيد دمجهم في مجتمعات العمل والإنتاج.