منذ فجر الإسلام، كان الوقف أحد أعظم صور العطاء الإنساني، وأرقى تجليات التكافل الاجتماعي، ورافدًا أصيلًا لاستدامة الخير في حياة الأمم.
لقد أدرك المسلمون الأوائل أن المال حين يُحبس في سبيل الله، يتحول من موردٍ فانٍ إلى نفعٍ باقٍ، ومن ثروةٍ خاصة إلى صدقةٍ جاريةٍ تمتد آثارها لنفع الإنسان ما دامت السماوات والأرض.
إن الوقف الإسلامي يعكس وعي الأمة بدورها الاجتماعي والتنموي، إذ شكّل على مرّ العصور رافدًا رئيسًا لاستقرار المجتمعات ونهضتها، ووسيلةً فاعلةً لتحقيق التنمية الشاملة، حين كانت مؤسساته تموّل المدارس والمستشفيات، وتعين الفقراء والمحتاجين، وتعمّر الأرض بالخير والإنتاج.
وقد تميزت التجربة الوقفية الإسلامية بشمولها واتساع آفاقها، فلم تقتصر على بناء المساجد ودور العلم، بل شملت وجوه البر كافة، حتى فكاك الأسارى، وإعانة أبناء السبيل، وتجهيز البنات للزواج، ورعاية الحيوان وإطعام الطيور في الشتاء، كما وثّق ذلك الرحالة ابن بطوطة في رحلته الشهيرة.
تلك النماذج الثرية تؤكد أن الوقف في جوهره نظام حياة ومؤسسة تنموية أصيلة، أسهمت في بناء الدولة المسلمة وصناعة حضارتها الإنسانية على مدى قرون طويلة.
ومن هذا الإرث العظيم، استلهمت الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية رسالتها منذ انطلاقتها المباركة قبل زهاء أربعة عقود، حين أُسست في سياق فكرة وقفية طموحة قوامها جمع مليار دولار لاستثماره والإنفاق من ريعه على المشاريع التنموية والخيرية حول العالم.
ومنذ تأسيسها عام 1984م، وصدور قانون إشهارها عام 1986م، ومرسومها الأميري عام 1987م، لم تنفك الهيئة عن تطوير تجربتها الوقفية، فأنشأت منظومة متنوعة من الأوقاف الخيرية والتنموية تجاوزت ثلاثة عشر وقفية، من أبرزها: وقفيات نور على الأرض، والمساجد، وكفالة الأيتام، وقطرة ماء، وبرّ الوالدين، والإسراء لدعم مشاريع فلسطين، وطالب العلم، وكفالة داعية، والأسر المتعففة، والأضاحي، والأقصى ومساجد فلسطين وغيرها.
هذه الوقفيات في منظور الهيئة تعبّر عن المفهوم الواسع للوقف وشموليته وتنوع أغراضه واتساع آفاقه، إذ تجسد الصدقة التطوعية المستدامة، وتعزز قيم التكافل الاجتماعي في أرجاء الأمة، وتعكس وعي الواقف المسلم بمسؤوليته الاجتماعية وتفاعله مع قضايا المسلمين وإدراكه لواجبه نحوها.
وانطلاقًا من هذا المفهوم الشمولي، تحرص الهيئة على توجيه عوائد الأوقاف إلى مجالات تتجاوز الأطر التقليدية، فإلى جانب رعاية دور العبادة وكفالة الأيتام وتسبيل المياه، تولي الهيئة اهتمامًا خاصًا بالفضاءات التنموية الحديثة، استجابةً لمتطلبات الفئات الضعيفة، عبر دعم التعليم والصحة والمشاريع الإنتاجية، وإنشاء حواضن الأعمال والقرى المهنية، وتأهيل وتمكين الأرامل والمطلقات للاندماج في سوق العمل.
كما ترعى الهيئة العديد من الأثلاث والوصايا للمحسنين، التي تُسهم في تمويل مشاريع التعليم والصحة والإغاثة والتنمية في أكثر من 80 دولة حول العالم، لتبقى بصمة الواقفين ممتدة حيث الحاجة والأمل.
وفي إطار سعيها لترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة المؤسسية في إدارة الوقف، أصدرت الهيئة لائحة شؤون الأوقاف والأثلاث والوصايا، التي تُمثل نقلة نوعية في ضبط العمل الوقفي وتعزيز كفاءته واستدامة عوائده، إلى جانب تطوير آليات التواصل مع الواقفين والمستفيدين.
تأتي هذه اللائحة ثمرة مسار مؤسسي متكامل يهدف إلى تطوير إدارة الأوقاف وتنميتها، وضمان توجيه الموارد إلى حيث الأثر الأكبر والأبقى، في تجسيد عملي للانتقال من المفهوم التقليدي للوقف إلى المفهوم الاستراتيجي القائم على الاستثمار والحوكمة والتكامل المؤسسي.
وفي هذا السياق، حرصت الهيئة على توسيع شراكاتها مع المؤسسات الوقفية الرائدة، وفي مقدمتها الأمانة العامة للأوقاف في الكويت، بوصفها مؤسسة مرجعية ذات خبرة عميقة وتاريخ مشرّف في تطوير الأوقاف، وتمثيل دولة الكويت كـ"منسقة لجهود الدول الإسلامية في مجال الوقف" وفق قرار مؤتمر وزراء الأوقاف السادس المنعقد في جاكرتا عام 1997م.
مثل هذه الشراكات تمثل ركيزة أساسية لتحقيق التكامل الوقفي وتعظيم الأثر الإنساني، وترسيخ مكانة الكويت مركزًا رياديًا في مجال الوقف والعمل الخيري العالمي.
وفي عالم يموج بالأزمات والكوارث، تظل الأوقاف بارقة أمل لاستدامة الخير والعطاء، ومن هنا تتوجه الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بنداء كريم إلى الواقفين والمحسنين، بأن يبادروا إلى إحياء سنة الوقف والمشاركة في هذا الخير المستدام، لتكون أوقافهم صدقةً جاريةً لا تنقطع، وذخرًا لهم في الدنيا والآخرة.
فالهيئة، بما تمتلكه من خبرة مؤسسية، ولائحة محكمة، ونظام إداري شفاف، تمثل بيئة آمنة وموثوقة لإدارة أوقاف المحسنين وتنمية عوائدها بما يحقق أعظم أثر إنساني وتنموي.
إن الوقف دعامة من دعامات الارتقاء بالمجتمع المسلم ودفع عجلة التنمية، لأنه يوفّر تمويلًا مستدامًا للمشروعات التعليمية والعلمية والتنموية، ويحقق مصالح الأمة واحتياجاتها، وهو تجسيد لقول النبي ﷺ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (رواه مسلم).
وبمثل هذا التوجّه المؤسسي الراقي، تواصل الهيئة الخيرية ترسيخ رسالتها في التمكين والتنمية واستدامة الموارد، لتبقى رائدةً في إحياء سنة الوقف وتعزيز أثره في حياة الإنسان والمجتمع، ولا سيما في ظل تعاظم الاحتياجات الإنسانية في المجتمعات التي تشهد حروبًا وكوارث طبيعية.
أفتتاحية مجلة #العالمية
للاطلاع على تقرير الوقف