
في إطار دورها الإنساني والتنموي، دشّنت الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية قرية الراحل علي صالح اللهيب في منطقة عين دراهم بولاية جندوبة في الشمال الغربي التونسي؛ لتكون بمنزلة حاضنة أعمال للمشاريع التنموية والحرفية الصغيرة، لتنمية قدرات المرأة الريفية وتطويرها، ورفع كفاءتها وتحسين وضعها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتعليمي، بالتعاون مع شبكة غصن الزيتون للجمعيات التنموية في تونس.
تضم القرية الممولة من عائد ثلث وقفية الراحل علي صالح اللهيب بالهيئة الخيرية 6 أقسام وبيتين ومجمعًا زراعيًا، وتمتد على مساحة تقترب من هكتار، وتمثل حاضنة لعديد الأنشطة الحرفية والفلاحية التي تشتغل عليها المرأة الريفية في عين دراهم، تحت إشراف مجمع التنمية الفلاحية للمرأة الريفية، وذلك برعاية شبكة غصن الزيتون.
مجالات المشروع
ويضم المشروع الذي يستفيد منه 3000 مستفيد من النساء وعائلاتهن عددًا من وحدات العمل، الأولى متخصصة في صناعة الأجبان وهي تمثل فضاء للعمل وتحتوي على مختلف معداته، كما تشرف على قطيع من الماعز المنتج للحليب، والثانية تعنى بتقطير الزيوت الطبية والعطرية، حيث الإفادة من المنتوج الغابي، كما يتم زرع بعض النباتات داخل بيوت زراعية مكيفة داخل الضيعة وفي منازل النساء المشتركات في المشروع.
وتضم الوحدة الثالثة المنتوجات الفلاحية التي يتم فيها صنع البهارات والعولة التقليدية وصناعة طحين البلوط الجبلي، أما الوحدة الرابعة فتشمل النسيج والمنتوجات الحرفية كأنشطة الخياطة والتطريز وصناعة الأواني والتحف التقليدية.
وفي هذا الإطار، يعتمد المشروع آليات عمل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فالنساء العاملات في وحدة تقطير الزيوت الطبية والعطرية على سبيل المثال ينقسمن إلى فرق عمل، فريق يعمل على جمع النباتات من الغابة، وآخر ينتج أنواع نباتات أخرى في المنزل، وثالث يقوم بعملية التقطير.
كما يشتمل المشروع على قاعة عرض تمثل نقطة عرض وبيع مختلف المنتوجات التي تنتجها الضيعة، ويضم مقرًا للإدارة وقاعة اجتماعات، ويجري إطلاق منظومة رقمية لتسويق منتوجات المشروع عبر الإنترنت.
أهداف المشروع
ويهدف المشروع إلى استقطاب وتشغيل المرأة القاطنة في الوسط الريفي، وتوفير فرص عمل لتحصيل موارد رزق مستدام، ودعم التماسك الأسري في الوسط الريفي، ومقاومة الفقر، وزرع ثقافة العمل، والاهتمام بحماية البيئة والتنوع الحيوي وبناء منشأة مجهزة تمثل قرية حاضنة لأعمال المشاريع التنموية والحرفية للمرأة الريفية، وتوفير موارد رزق للأسر والنهوض بوضعية المرأة الريفية وتسويق منتجات القرية وتحقيق الاستدامة المالية للمشروع وتثمين المنتوج المحلي وتنويع الإنتاج.
تمثل القرية سبيلًا للنهوض بالمرأة التونسية في الوسط الريفي من خلال استقطاب النساء ودمجهن في أنشطة حرفية وفلاحية تتماشى مع طبيعة المنطقة ذات الطابع الجبلي والغابي الخصب والممطر والثري بالمنتوجات الغابية الطبيعية، وتوفير فرص عمل مدرة للدخل.
وبمثل هذه المشروعات تستطيع المرأة الاهتمام بأسرتها ولا تسمح بانقطاع بناتها عن الدراسة من أجل الخروج للعمل، وهي ظاهرة منتشرة في هذه المنطقة، كما أن توفير مورد رزق يحفظ كرامة المرأة الريفية هو السبيل الأفضل لمعالجة ظاهرة تشغيل القاصرات، حيث يمثل مشروع القرية الأسس التي ترتكز عليها مسيرة النهوض بالأسرة وتماسكها في الوسط الريفي.
ويتجلى الأثر المرجو من القرية في تحسين جودة العمل وتوسعة عدد المستفيدين بصفة مباشرة وغير مباشرة وزيادة الإنتاج وتحسين المردودية، وبالتالي النهوض بالمستوى المعيشي للأسر الريفية اقتصاديًا وتعليميًا وثقافيًا.
عين دراهم
وتقع "عين دراهم" في الشمال الغربي التونسي وهي منطقة جبلية غابية بامتياز ذات طابع ريفي تمتد على طول جبال خمير في شمال ولاية جندوبة.
وتتميز هذه المناطق بالمناخ البارد والتضاريس الوعرة حيث تتساقط كميات كبيرة من الأمطار والثلوج سنويًا، وتتميز بغابات كثيفة وغنية بالكساء النباتي المتنوع، وتندر فيها السهول والمساحات الزراعية.
والمرأة الريفية في ظل هذه الظروف الطبيعية والمناخية الصعبة تعيش ظروفًا قاسية جدّا، حيث غالبًا ما يكون عدد أفراد الأسرة مرتفعًا والرّجل عاطلًا عن العمل في وسط ريفي تغيب فيه مختلف مظاهر التنمية مثل المصانع وغيرها.
وفي ظل هذه الظروف ليس هناك خيار للمرأة الريفية سوى الخروج للعمل في الضيعات عند كبار الفلاحين مقابل أجر زهيد جدًا ودون أي حقوق، وهناك العديد من العائلات تضطر لإخراج بناتها من المدارس وإرسالهن للعمل كمعينات منزلية عن طريق وسطاء في المدن الكبرى وهي ظاهرة اشتهرت بها هذه المناطق لسنوات طوال.
شبكة غصن الزيتون في سطور
تحتضن شبكة غصن الزيتون للجمعيات التنموية 26 جمعية تونسية تنموية اجتماعية غير ربحية، تختص ببناء مجتمع تضامني قائم على القيم الإنسانية الجامعة والاهتمام بالإنسان في حاجياته الصحية والمعيشية والعلمية والثقافية والروحية من أجل تثمين وتوظيف قدراته للنهوض بالمجتمع.
تحظى الشبكة بثقة العديد من المؤسسات الخيرية الكويتية، منها: الهيئة الخيرية، وبيت الزكاة، والرحمة العالمية، وجمعية قوافل للإغاثة والتنمية، وبلد الخير، والأمانة العامة للأوقاف، عبر إنفاذ عديد المشاريع والبرامج، كالحملات الإغاثية الموسمية، ومشاريع تمكين موارد الرزق، وكفالة الأيتام، وحفر الآبار، والمشاريع الإنشائية كبناء وحدات سكنية للأرامل والأيتام، وبناء مستوصفات وغيرها.
الفئات المستفيدة.. فضاء لتنمية القدرات
يستهدف المشروع النساء القاطنات في الأرياف من أبناء العائلات الفقيرة وأمهات الأيتام والمرأة المعيلة لأسرتها، والفتيات الريفيات الحاصلات على شهادات علمية والعاطلات عن العمل في الوقت نفسه.
تشير دراسة المشروع إلى أن المرأة الريفية التونسية العاملة تحتاج إلى فضاء يمثل حاضنة لتلبية احتياجاتها وتنمية قدراتها، ومركزًا يلبي احتياجاتها في التمكين الاقتصادي، ويوفر فرصًا تعليمية وتكوينية تحقق مخرجات نوعية، ويطور قدراتها المهنية، ليصبحن منتجات وفاعلات في مجتمعاتهن، ويرفع وعيهن بثقافة العمل والاعتماد على الذات وتجنب التواكل.
القرية فضاء جديد لاستيعاب أنشطة المرأة الريفية
ينطلق المشروع من تجربة عمل ناجحة ورائدة في استقطاب وتشغيل المرأة القاطنة في الوسط الريفي، وهي تجربة مجمع المرأة الريفية بعين دراهم الذي تنضوي تحته 500 امرأة عاملة في أنشطة حرفية وفلاحية مختلفة.
والمجمع عبارة عن هيكل للاقتصاد الاجتماعي والتضامني يعتمد مبدأ التشاركية في العمل بين النساء العاملات حسب كل اختصاص، وهو يعمل منذ 10 سنوات، وله تجربة مميزة وناجحة في التكوين والتأهيل والعمل الجماعي وحسن التسيير، وتمثل القرية فضاءً جديدًا لاستيعاب أنشطة المجمع الخاصة بالمرأة.
تعزيز الأنشطة الإنتاجية
يعمل المشروع على تعزيز الأنشطة الإنتاجية القائمة والمحافظة عليها وتحسين جودة الإنتاج وتوسعة فئة المستهدفين والمنتفعين منه، وبالتالي توفير فرص عمل ودعم الأنشطة الحرفية والتجارية والفلاحية للمرأة الريفية، بهدف جعلها ذات مردودية ربحية تسهم في إنماء العائلة والمجتمع.
كما يوفر فرص عمل لأبناء المنطقة أثناء الإنشاء وبعد الإنشاء، ويسهم في تنشيط الحركة التجارية.
المطوع يفتتح قرية اللهيب ويتفقد مشاريع خيرية في تونس
خلال رحلة خيرية زاخرة بالأنشطة والفعاليات والجولات التفقدية في تونس، افتتح نائب المدير العام لقطاع المشاريع عبد الرحمن المطوع مشروع قرية اللهيب للمشاريع التنموية والحرفية بمنطقة عين دراهم بالشمال الغربي التونسي، بحضور رئيس شبكة غصن الزيتون للجمعيات التنموية حاتم العيادي وممثلين عن المجتمع المدني.
تعود تكلفة المشروع البالغة 590 ألف دولار إلى ريع وقفية المرحوم علي صالح اللهيب - رحمه الله، وجاءت الزيارة لمعاينة المشروع، والتحقق من مطابقة الأشغال والأنشطة المنجزة للدراسة المعتمدة والمواصفات المتفق عليها، وكذلك إعطاء شارة انطلاق المشروع، والتعرف على الأنشطة والأعمال، التي تحتضنها القرية.
والتقى المطوع مسؤولين في ولايتي القصرين وصفاقس وسفير دولة الكويت في تونس منصور خالد العمر، وتفقد عديد المشاريع والأنشطة المنفذة بتمويل من الهيئة الخيرية، واطلع عن كثب على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تونس من خلال جولة في عدد من المحافظات والجهات التونسية.
ووقف المطوع على التحديات الإنسانية، التي تواجهها ولاية القصرين - أفقر الولايات التونسية – كارتفاع معدلات الفقر والانقطاع المبكر عن الدراسة، والبطالة، ونقص المياه، وغيرها.
كما تفقد بعض مشاريع الهيئة كالمراكز الصحية والآبار وبيوت الفقراء وعائلات أيتام مكفولين من الهيئة، وبعض الأنشطة الحرفية والفلاحية التي تشتغل عليها المرأة الريفية العاملة بالجهة والممولة من قبل الهيئة الخيرية ضمن مشاريع برنامج التمويل الأصغر للأسر المتعففة.
وإلى ذلك زار المطوع مقرات الجهة الشريكة شبكة غصن الزيتون للاطلاع على أنظمة الحوكمة والهيكلة والتنظيم الإداري في الشبكة.