الاستدامة والاحتضان

 on  مارس 17, 2021

الاستدامة والاحتضان

د. محمد علي السبأ

باحث بالمركز العالمي لدراسات العمل الخيري

 

تتعدَّد المشاريع والبرامجُ بأنواعها في المؤسسات الخيرية، ويتم استهدافُ المجتمعات بها هنا وهناك، وهذه المؤسسات تقدِّم خيرًا كبيرًا بما تقوم به، وبرغم هذا نرى قصورًا لا ينبغي أن يستمر أو يُغفَل عنه؛ إذْ لا بدَّ من التفكير بطريقة أعم نفعًا وأدوم أثرًا.

 تعالوا نفكِّر سويًّا بصوتٍ مرتفع: لو وضعنا برنامجًا أو مشروعًا أو حملة تَكلفتُها المالية مليون دولار، مع الجهد الكبير لفِرَقِ العمل والأدبيات والتنسيق، وما إلى ذلك، إضافةً إلى الوقت الذي قد يَطول وقد يقصر... فإن المخرج والفائدة الحقيقية من الحملة على مستوى الفرد المُستهدف أو الأسرة سيكون ضئيلًا جدًا، لا يُمكن مقارنته أو مناسبته بحجم مُدخلات الحملة بجميع مجالاتها، والتساؤل هو: لو تَمَّ تنفيذُ مشروع إستراتيجي مدروس طويل الأمد بأموال تلك الحملة، هل يكون ذلك أعمَّ نفعًا وأدوم أثرًا؟!

 

باعتقادي أن الاستفادة ستطول أكبرَ عددٍ من أفراد المجتمع، وتقضي على بطالة كبيرة، وتحقق استثمارًا نموذجيًّا، وتكسب جهدًا ووقتًا ومالًا.

نحن بنيَّاتنا الحسنة، وجهودنا المشكورة، وبرامجنا المتنوعة - نستهدف المجتمع والأسرة والفرد، بغرض النهضة والتطوُّر وإيجاد المجال، وحل المشكلة وتنوير الدَّرب، ولكنَّ كثيرًا من برامجنا تحتاج إلى مُراجعة جذرية؛ إذْ لا بدَّ أن تُحقِّق أمرين أساسيين للمُستهدف في هذا الزمن:

الأمر الأول: يتعلَّق بالبرنامج ذاته، وهو (الاستدامة)، فلا يكون برنامجًا ينتهي بانتهاء وقته، ويُشيَّع بتقريرٍ نهائي أو حفلٍ ختامي، يُسطَّر فيه أو يُتْلى ما وصَل إليه من نتائج، أو ما حقَّقه من مُخرجات، هي في الحقيقية مُجرَّد أرقام، وقد تحمل إيجابية، (نعم)، ولكن ما نتكلَّم عنه هو (مُناسبة المُخرجات للمُدخلات)... ولهذا ينبغي في هذا الأمر (استدامة البرنامج)، وذلك بنجاحه الذي يَكتُبه أثرًا في الميدان، وبعدد الأفراد المستفيدين فعلًا، بدليل بداية إنتاجهم أو تطويره بشكلٍ يحكي نفسه في الواقع، وبهذا يستحقُّ البرنامج أن يُكرَّر ويُسْتَنْسَخُ ويُدعَم.

 

الأمر الثاني: الاحتضان، وأعني به أن يوجَّهَ البرنامجُ للمستفيد، وهو مُستعد وقادرٌ على أن يحتضنَ ذلك المستفيد بعد تَخرُّجه منه أو نَيْلِه إيَّاه، وليس بالضرورة أن يضمَّ أيُّ برنامج كلَّ المستفيدين أو حتى بعضهم، إذْ بالإمكان التنسيق مع الجهات المعنيَّة والمهتمة بالقيام بما يلزم في هذا الأمر، والمهم أن يجد المستفيد في البرنامج حاجتَه المعرفيَّة، ثم يجد بعدها حاجته العمليَّة؛ حتى يُفرغها فيها، ويكسب بذلك الفائدةَ التامة، كما يكسب البرنامج مُخرجًا حقيقيًّا له أن يُفاخر فيه، ويعدَّه من أهم نجاحاته وتميُّزه، وسببًا كبيرًا لدعمه والوقوف معه.

 

عودة حقيقية إلى برامجنا المتنوعة لإعادة صياغتها على هذين الأمرين وهذا الأساس، وعودة شاملة إلى مُنطلقات أفكارنا وقناعاتنا لضمان استثمار المُستقبل، والتفكير الجاد في صناعة النهضة التي لا بدَّ أن نُوجدها لتستمرَّ بنا ونستمرَّ بها.